الشيخ محمد الصادقي

156

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

في المادة الأمِّ حيث الزوجان هما كيانها كأم في أصل كونها ! وإذ لم يكن إفاضة الوجود من كل للآخر لمكان استحالتين فهي بحاجة إلى ما وراءها من كائن ليس زوجين وهو اللَّه الفرد الأحد . هنالك استحالة أولى هي علية اللاشىء ، فان كلًا من الزوجين مستقلًا عن الآخر ليس شيئاً ، واستحالة ثانية هي لزوم تقدم الشئ على نفسه لو اعتبرنا كلا منهما شيئاً ، أن يكون الشئ علة لما هو معلول له ، فحال كون أحد الجزئين علة للآخر يجب تقدمه عليه ، وحال كونه معلولًا له يجب تأخره عنه ! هذا هو الفقر الذاتي في المادة الأم ، وبأحرى في مواليدها ، فالشحنة في كيانها الخاص بحاجة إلى ازدواجية مّا ، وكذلك الذرة ، والجزيىء ، ومختلف العناصر . فأي باب ندق من كائنات العالم نسمع صرخات الفقر والعدم من ذواتها ، فإلى من هي مفتقرة الا إلى الغنى المطلق ؟ « فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ » ؟ وهنا التعبير بالفرار لطيف جداً ، وعجيب حقاً ، فهو يوحى بالأثقال والأغلال التي تثقل النفوس البشرية إلى هذه الكائنات الحقيرة الفقيرة ، فتأسرها عن الانطلاق ، وتنسى أخيراً أن لهاربّاً ! فلا بد - / لكي نتحلل عن أسرها وحصرها - / أن نعرفها أولًا بالفقر والعدم الذاتي ، ثم نفر بكل ما نملك من سرعة وجلادة ، إلى اللَّه الذي خلقها ويفيض لها دائباً ، نفر بأجنحة العقل واللبِّ والعلم ، مستخدمين كافة الطاقات ، ولكي لا نرجع مغلولين لو تباطأنا في السير ، أو أخطأنا المسير ، والله هو الولي القدير ، « فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ . . . » : ثم الفرار إلى اللَّه درجات ، كما الفرار عنه دركات ، فأولى درجات الفرار إلى اللَّه رفض الشركاء والأنداد عنه ، وأشرفها وأولاها الفرار عما سوى الله ، وعن نفسك أيضاً ، إلى الله ، والى حد الدنو والتدلّى « ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى » أن يصبح العبد كله معرفة لله ، ناسياً نفسه الا تذرعاً بها إلى ابتغاء مرضاة الله ، ومن صح فراره إلى اللَّه صح قراره مع الله ، فلا تجد فيه حالة مع من سوى اللَّه الا الفرار ، ومع اللَّه الا القرار .